أبي منصور الماتريدي
231
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يعيدهم إلى الحالة التي كانوا عليها من كونهم بشرا سويا ، وإن صاروا عظاما ورفاتا ؛ لأنهم كانوا يزعمون أن كيف يعادوا خلقا جديدا بعد أن صاروا ترابا ، فاحتج عليهم بأمر الابتداء من الوجه الذي ذكرنا . وإن كان على التأويل الثاني ، ففيه تذكير نعمه : أن قد أخرج لهم من الأرض ما يتعيشون به ، ويقيمون به أودهم ، أو يستأدي منهم الشكر ، وفيه تذكير قوته وسلطانه ؛ ليخوفهم عقابه فيتعظوا ويتقوا سخطه ، ويطلبوا مرضاته . وقوله - عزّ وجل - : ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ، فجمع بين الإعادة والإخراج بحرف الجمع ، وجعل [ قوله عزّ وجل ] « 1 » وَيُخْرِجُكُمْ في موضع « ثم » ؛ لأن هذا الإخراج يكون بعد الإعادة إلى الأرض ، فيكون في هذا دليل أن أحد الحرفين وهو « الواو » قد يستعمل مكان « ثم » . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً أي : جعلها كالشئ المبسوط الذي ينتفع ببسطه ، ولو لم يجعلها كذلك ، لم يتوصلوا إلى حوائجهم ، ولا الانتفاع بها ، ففي ذكر هذا تذكير بما « 2 » لله تعالى عليهم من عظيم المنة . وقوله - عزّ وجل - : لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً : قيل « 3 » : الفجاج : هي الطرق الواسعة . وقيل : السبل في السهل ، والفجاج : الطرق في الجبال ، وهذا - أيضا - من عظيم نعم الله تعالى على عباده ؛ لأن الله تعالى قدر أرزاق الخلق في البلاد ، فلو لم يجعل لهم في الأرض سبلا ، لم يجدوا طريقا يسلكونه ، فيتوصلون به إلى ما به قوام أبدانهم ؛ فصارت الطرق المتخذة لما « 4 » نسلك فيها ، فنصل إلى حوائجنا وإلى معايشنا : كالدواب التي سخرت لنا ؛ فنتوصل بها إلى حوائجنا ، وهذا يبين لك أن ملك أقطار الأرض وتدبيرها يرجع إلى الواحد القهار ؛ لأنه أحوج الخلق إلى الانتشار في « 5 » البلاد ؛ لإقامة أودهم ، وجعل لهم سببا يتوصلون به إلى ذلك ؛ فثبت أن مالك الأقطار واحد .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : ما . ( 3 ) قاله ابن عباس بنحوه أخرجه ابن جرير ( 35024 ) ، وابن المنذر عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 426 ) وهو قول قتادة أيضا . ( 4 ) في ب : بما . ( 5 ) زاد في أ : الأنساب إلى .